ابن ميثم البحراني
28
شرح نهج البلاغة
البحث الأوّل في رسم الخبر وقد رسّم بأنّه القول الَّذي يقال لقائله إنّه صادق فيما قاله أو كاذب ، وأورد الإمام فخر الدين عليه شكَّا فقال : الصدق والكذب لا يمكن تعريفهما إلَّا بالخبر إذ يقال في الصدق إنّه الخبر المطابق وفي الكذب إنّه الخبر الغير المطابق ، وتعريف الخبر بهما دور ، وأجاب أفضل المتأخّرين نصير الدين الطوسي - أبقاه اللَّه - عنه فقال : الحقّ أنّ الصدق والكذب من الأعراض الذاتيّة للخبر فتعريفه بهما رسمي أورد تفسيرا للإسم وتعيينا لمعناه من بين ساير المركَّبات ولا يكون ذلك دورا لأنّ الشيء الواضح بحسب مهيّته ربّما يكون ملتبسا في بعض المواضع بغيره ويكون ما يشتمل عليه من أعراضه الذاتيّة الغنيّة عن التعريف أو غيرها ممّا يجري مجراها عاريا عن الالتباس فايراده في الإشارة إلى تعيين ذلك الشيء إنّما يلخّصه ويجرّده عن الالتباس وإنّما يكون دورا لو كانت تلك الأعراض أيضا مفتقرة إلى البيان بذلك الشيء وهاهنا إنّما يحتاج إلى تعيين صنف واحد من أصناف المركَّبات فيه اشتباه لأنّه لم يتعيّن بعد وليس في الصدق والكذب اشتباه فيمكننا أن نقول : إنّا نعني بالخبر التركيب الَّذي يشتمل حدّ الصدق والكذب عليه كما لو وقع اشتباه في معنى الحيوان فيمكننا أن نقول : إنّا نعني به ما يقع في تعريف الإنسان موقع الجنس ولا يكون دورا ، وقيل في تعريفه أيضا : إنّه القول المقتضي بصريحه إسناد أمر إلى أمر بالنفي أو الإثبات وأمّا تسمية النحاة أحد جزء الخبر خبرا فمجاز . البحث الثاني أنّه ليس الغرض الأوّل من وضع الألفاظ المفردة إفادتها لمسمّاتها المفردة بيان ذلك أنّ إفادتها لها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لها وهو مستلزم للعلم بها قبل الوضع فلو توقّفت إفادتها على الوضع لزم الدور وإنّه محال بل الغرض الأوّل منها تمكَّن الإنسان من تفهّم ما يتركَّب من تلك المسمّيات بواسطة تركيب تلك الألفاظ المفردة لا يقال : ما ذكرتموه قائم بعينه في المركَّبات لأنّ اللفظ المركَّب لا يفيد مدلوله إلَّا عند العلم بكون تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني فلو استفدنا العلم بتلك المعاني من تلك الألفاظ لزم الدور لأنّا نقول : لا نسلَّم أنّ الألفاظ المركَّبة لا تفيد مدلولها إلَّا عند العلم بكون الألفاظ المركَّبة موضوعة له بيان ذلك أنّا متى علمنا وضع كلّ واحد من تلك الألفاظ المفردة لكلّ واحد من تلك المعاني